الجمال و الأخلاق عند كانط

By alherbish

 أكثر الناس من ترديد عبارة (أنّ الفن يسمو بالروح و يهذب الأخلاق) حتى صارت مبتذلة، و انفصلت عن أسسها الفلسفية التي تنبعُ -أولاً و قبل كل شئ- من عقولنا، و التي وجدت لها في فلسفة كانط -و خصوصاً كتابه الثالث في نقد ملكة الحكم- أفضل شرح و توضيح. لكي تتضحُ هذه العلاقة المهمة، سأبدأُ بشرح مفاهيم الجميل و المُبهر والتلقائية الذاتية حسب الفلسفة الكانطية، ثمّ سأبين العلاقة بين الجميل و بين الخيار الأخلاقي في نهاية المقال.

الجميل حسب الفلسفة الكانطية، هو الشئ القادر على إثارة شعور المتعة غير المعنية، و غير المشروطة بالإرتواء الحسيّ. يشدد كانط على استخدام وصف (غير المعنية) عند حديثه عن المتعة، ليدلل على حريتها الخالصة، و التي تعتبر شرطاً أساسياً في التذوق الجمالي. و عندما يشرح إحساس المتعة يطرح نظريته المبتكرة التي تقترح أنّ هذا الإحساس يتحقق بسبب التبادل الحرّ و المتناغم بين ملكتي التخيّل و الفهم  the harmonious free interplay between the faculities of Imangination and Understanding .

مَلَكة التخيل هي تلك المَلَكة أو الخاصية العقلية التي تمكننا من استدعاء تمثل الشئ بعد غيابه، أو تعزيزه و استكماله. على سبيل المثال، عندما نستجلب صورةَ كأس الماء في عقولنا، فنحن نستعمل ملكة التخيّل. كذلك عندما نشاهد كأساً، ثمّ نغمض أعيننا و نستكمل استجلاب صورة الكأس رغم إغماض أعيننا، فإننا نسعمل ملكة التخيل كذلك.

مَلَكة الفهم هي تلك المَلَكة أو الخاصية العقلية التي تتبع مَلكة الحَدس و الربط الزماني / المكاني ، و التي تحاول أن تفسر الشئ بإرجاعه إلى الأصناف. هي تختلفُ عن مَلَكة العقل التي تستنبطُ و تعمم. مثلاً عندما نشاهد كأس الماء، فإننا نفهمه عندما نحلله بأنه واحد في صنف العدد، و بأنه زجاج في صنع المادة، و بأنه مخصص لشرب الماء في صنف الوظيفة، و هكذا. و لكننا نعقله عندما نستنتجُ أنّ كل الأشياء ذات الشكل المشابه يمكن أن تستخدم لشرب الماء.

نرجع لموضوعنا الرئيسي..

يمكنُ لأي شخصٍ أن يستشعر جمال الشئ إذا شعر بذاك الإحساس الذي يحققه التبادل و التناغم الحرّ الذي يحدث بين ملكتي التخيّل و الفهم بمجرد مشاهدة الشئ الجميل. دعني أشدد على كلمة (حر) في التعريف، إذ لا يمكن لشخصٍ أن يحكم على شئ بأنه جميل إذا كان يربطه بشروط أساسية مُسبقاً، كأن يكون مفيداً، أو متوافقاً مع الذوق العام. مثل هذه الشروط المسبقة، تفسد ملكة التذوق الجمالي، و تجعلها غير خالصةٍ، إذ أنها تقيد من حرية التلاعب و التبادل بين ملكتي التخيّل و الفهم.

من الجدير بالذكر أن كانط يفترض أن كلَّ شخصٍ قادر على الوصول إلى نفس الحكم الجمالي في النهاية، و أن الجميلَ جميلٌ عالمياً بالضرورة، و أنَّ هذا الاختلاف الذي نشاهدهُ واقعياً في الأذواق، يرجع إلى عدم تحقق صفاء الحكم الجمالي بالضرورة، إذ أنه -كالحكم الأخلاقي تماماً- يمكن أن يُفسد بالأفكار المسبقة، و الذوق السائد، و الأهواء الشخصية، و غيرها من العوامل المؤثرة التي تحدّ من حرية التبادل بين ملكتي التخيّل التمثلي و الفهم.

يختلف كانط كذلك عن سائر الفلاسفه في تعاطيه مع مفهوم المُبهر، فشعور الإنبهار عنده ناتجٌ عن التلاعب و التبادل الحر بين ملكتي التخيّل و العقل  the free interplay between the faculities of understanding and practical reason.

يقسم كانط المُبهر إلى نوعين: (المُبهر رياضياً) و هو يرتبط بالحجم، كأن نتطلع في السماء ثمّ نستشعر عظمتها و صغرنا بالمقارنة بها، و (المُبهر ديناميكياً) و يرتبط بالقوة، كأن نشاهد الزلازل فنشعر بالرهبة و نحس بضعفنا. يفصل كانط في هذا الشعور الذي يصنفه كمتعة، فيقول أنه يبدأ كضيقٍ أولاً بسبب عجزِ مَلكة التخيل عن إحاطة الشئ، ثمّ تلجأ إلى الاستشعار الجمالي لتختصرَ الوصول إلى تعقل هذا الشئ، و من هنا ينشأ شعور الانبهار.

و الآن، ما علاقة كل هذا بالأخلاق -أو بالنظام الداخلي بشكل أصح-؟

إنَّ أكثر الأشياء أهمية على هذه الأرض عند كانط هو النظام الأخلاقي الموجود بداخلنا، أو التلقائية الذاتية الأخلاقية the moral autonomy التي تميّز الإنسان و تعطيه قيمته الإنسانية. إنها التلقائية الذاتية التي تجعلُ الفرد يستشعر حريته الكاملة في اختياره الأخلاقي، و رغم ذلك يقوم بالإلتزام بنظامه الأخلاقي الذاتي. إنّ هذا النظام الأخلاقي الداخلي هو أهم شئ في الحياة، و بدونه لا يمكن أن تقوم حضارة أو أي شكل من أشكال التواصل الإنساني. هذا النظام الأخلاقي الداخلي لا يمكن استشعارهُ حسيّاً، و رغم أن فلسفة كانط عقلية بحتة، إلا أنهُ لا ينكر ضرورة وجود الإجابات الحسيّة كي يصل الإنسان إلى قناعة و رضى. لهذا، كان الجمال الحسيّ ضرورة رمزية للتشديد على أهمية النظام الأخلاقي الداخلي. إن الجمال هو الشئ الوحيد القادر على نقل النظام الأخلاقي من المستوى العقلي الصرف إلى المستوى الحسيّ التمثلي. من هنا نستطيعُ أن نفهم اللوحات الدينية التي ترتكز على جمال “المادونا” كانعكاسٍ غير واعٍ لقيمتها الأخلاقية الداخلية. و من هنا يمكننا أن نفهم أهمية عبارة (إنّ الله جميلٌ يحب الجمال)، فالله هو أساس النظام الأخلاقي الكانطي، و الضرورة العقلية التي يستلزمها تحقق هذا النظام واقعياً، و لهذا كان يجبُ أن يكون الله أكثر الأشياء جمالاً.

يشددُ كانط على أنهُ من المستحيل اختيار أيقونات جمالية تُتخذ رمزاً للجمال الأسمى / الأكمل، و ذلك عائد إلى طبيعة استشعار الجمال، و الذي يعتمدُ على حدوث هذا التلاعب و التبادل الحرّ بين ملكتي التخيل و الفهم. لذلك عندما يعمدُ الإنسان للحديث عن أيقونات و رموز جمالية، فإنه يقوم بذلك بسبب طبيعة عقله الذي يميل لوضع نموذج مثالي لكل شئ، و ليس لطبيعة الجمال. لهذا ليس من الممكن وضع أيقونات أو نماذج جمالية سامية إلا بالاعتماد على جسم الإنسان، لأنَّ نظامه الأخلاقي الداخلي هو الشئ الوحيد الذي يحمل قيمةً سامية و مطلقة.

النقطة الثانية التي تربط الفن و الجمال بالأخلاق هو هذا التوازي الواضح بين استشعار الجمال و بين الوصول إلى الواجب الأخلاقي. فالإثنان يعتمدان على مفهومي العالمية Universality  و التلقائية الذاتيةautonomy  لكي يكون الشئ جميلاً، يجبُ أن يجعلك تشعر بالمتعة إلى درجة أنك تفترض أنه سيلحق نفس الإحساس بالآخرين. الوصول إلى الواجب الأخلاقي يعتمد على العالمية كذلك، إذ يشترط بباعثك لكي يكون أخلاقياً، أن يكون قابلاً للتعميم على كل البشر دون أن يخلق تعارضاً أو اختلافاً.

شرحتُ كيف يتوازى استشعار الجمال و الوصول إلى الواجب الأخلاقي من ناحية العالمية، و سأشرحُ كيف يتوازيان من ناحية التلقائية الذاتية. التلقائية الذاتية في التذوق الجمالي هي اعتمادك على احساسك الخاص بالمتعة كشرطٍ أساسي لتحقق الجمال، بينما التلقائية الذاتية في الحكم الأخلاقي هي استشعاركَ لحرية اخيتارك، و التزامك رغم ذلك بالجيد أخلاقياً حسب نظامك الأخلاقي الداخلي الخاص.

هذا التوازي بين استشعار الجمال و بين الوصول إلى الحكم الأخلاقي الأصوب يجعلُ أولئك الذين يتذوقون الفنون و الجمال، أكثر الناس التزاماً بالنظام الأخلاقي الداخلي.

النقطة الثالثة التي تربط الجمال بالأخلاق هي طبيعة التجربة الجمالية. فعندما تتذوق الأشياء الجمالية و تحبها و تعلن عن ذلك رغم أنك لا تملكها و لا تربطك مصلحة خاصة بها، فأنت تتدربُ على الإلتزام بالخيار الأخلاقي الصافي و المفصول عن البواعث الشخصية.

النقطة الرابعة هي طبيعة الحرية المتواجدة في كل التجربتين. فلكي تصلَ إلى الحكم الجمالي الخالص، يجب أن تسمح بحرية التبادل بين ملكتي التخيل و الفهم دون ضوابط و شروط سابقة. لهذا السبب، حينما يريد أحد الفنانين أن يخبر وقع لوحاته، يقوم بتغطيتها ثم كشفها فجأة أمام الحضور كي يسمح للتلاعب بين ملكتي التخيل و الفهم أن يكون خالصاً في حريته، و بهذا يتحقق أكبر قدرٍ من المتعة. مثل هذه الحرية تعتبر شرطاً أساسياً لتحقق أهمية النظام الأخلاقي، إذ أن قيمته قائمة على الإلتزام به رغم تواجد الحرية التي تسمح بخرقه.

النقطة الخامسة يربطها كانط بشعور الإنبهار، إذ أنّ جزءاً من شعور المتعة الذي يستشعره الإنسان أمام المُبهر يرجع إلى استشعاره أهمية حريته و تطبيقه لنظامه الأخلاقي الداخلي رغم ضآلته و ضعفه أمام هذا المُبهر الذي قد يهدد حرية اخيتاره.

تحدثتُ طويلاً.. ولكي لا يخرجُ القارئ مشتتاً بعد قراءة كل هذا، سألخصُ القول بأن كانط يؤكد أهمية الفن و الجمال لارتباطهما بالنظام الأخلاقي الداخلي المتواجد في كل فرد، و أن هذا الارتباط يمكن تلخيصه في: 1- الجمال هو الرمز الوحيد للنظام الأخلاقي الداخلي. 2- تتوازى التجربة الجمالية مع التجربة الأخلاقية من ناحيتي العالمية و التلقائية الذاتية. 3- أهمية شعور الحب و التقدير رغم انتفاء المصلحة في التجربة الجمالية، و ضرورة تنميته للوصول إلى الإلتزام الأخلاقي. 4- أهمية الحرية كأساس للتجربة الجمالية و الأخلاقية. 5- ارتباط شعور “الإنبهاربالحرية و النظام الأخلاقي الداخلي.

 

عدي الحربش